السبت، 20 يوليو 2013

دروس رمضان ليلة ١٢

رمضان شهر الجهاد
 
 
لقد كان شهر رمضان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح هو شهر الجهاد، فإن أعظم معركتين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانتا في هذا الشهر المبارك، شهر الجهاد والتضحيات والهمم.
أولاهما: معركة بدر الكبرى، التي كانت فرقانًا فرق الله تعالى به بين عهد الذل والاستضعاف وعهد العزة والتمكين للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولأنها كانت فرقانًا وفيصلاً ومنعطفًا خطيرًا في مسيرة الدعوة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر يرفع يديه إلى السماء، ويبتهل إلى الله سبحانه وتعالى حتى سقط رداؤه عن منكبيه وهو يقول: "اللهم نصرَك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم في الأرض" حتى أشفق أبو بكر على الرسول صلى الله عليه وسلم فالتزمه ووضـع
رداءه على منكبيه، وقال: يا رسول الله، كفاك مناشدتَك ربَّك، فإن الله تعالى منجِزٌ لك ما وعد 
فنصر الله -جل وعلا- رسوله صلى الله عليه وسلم نصرًا مؤزرًا في تلك المعركة الحاسمة: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ ببَدْرٍ وَأنتُم ْأذِلَّة فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [آل عمران: 123].
الثانية: فتح مكة، وهي – أيضًا- من أخطر وأهم المعارك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن مكة كانت مركز الجزيرة العربية، ومكان الحج والعمرة، ومهوى أفئدة الناس من كل مكان.
وكانت الوثنية مسيطرة عليها على مدى ثماني سنوات بعد هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى لقد منع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية من دخولها وأداء العمرة، فلما دخلها فاتحًا في السنة الثامنة دانت له الجزيرة كلها؛ ولهذا جاءت الوفود في السنة التالية مباشرة (التاسعة) من أنحاء الجزيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام.
ولذلك يصح أن يقال: إن فتح مكة هو الوقت الذي زالت فيه غربة الإسلام، وأصبح عزيزًا في أرجاء الجزيرة العربية، وسقطت سلطة الوثنية فيها.
والتاريخ الإسلامي مليء بالمعارك العظيمة التي كانت في رمضان، منها -مثلاً- معركة (عين جالوت) التي نصر الله فيها المسلمين، بقيادة المماليك على التتار؛ فانكسرت شوكتهم، وانحسر مدهم، ولم تقم لهم بعدها قائمة.
 
والحديث عن الجهاد في رمضان يحتَّم علينا الوقوف عند أمرمهم
وهوأن كثيرًا من المسلمين اليوم انعكست هذه المفهومات في نفوسهم؛ فلم يعد رمضان عندهم شهر الجهاد والعمل والتضحية، وإنما أصبح شهر الكسل والبطالة وفضول النوم، وهذا - بلا ريب- خطأ كبير، وانتكاس خطير، فالواجب أن يصحح هؤلاء الناس نظرتهم، 
والجهاد باب واسع يدخل تحته أعمال كثيرة: فهو يكون بالسلاح، ويكون بالمال، ويكون باللسان: أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وتعليمًا للخير، ونشرًا للدعوة… إلى غير ذلك من سبل الجهاد.


اللهم اجعلنا من المقبولين

الجمعة، 19 يوليو 2013

دروس رمضان ليلة ١١ الحزء الثاني

دروس رمضان ليلة١١ الجزء الثاني

عدة تنبيهات حول قيام رمضان

— التنبيه الأول: عدد صلاة التراويح:
فالناس مختلفون اختلافًا كبيرًا في عددها من إحدى عشرة ركعة إلى تسع وأربعين ركعة، وما بين هذين العددين، 

والذي يعنينا في هذا المقام أمور، منها:
أولاً: كم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أصح ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ما رواه الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"
لكنه صلى الله عليه وسلم كان يطيلها ويحسنها، كما ذكرت عائشة - رضي الله عنها - في هذا الحديث نفسه.
ثانياً: ما الذي فعله الصحابة ؟
لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم زال الخوف أن تفرض صلاة التراويح؛ فأمر عمر رضي الله عنه المسلمين أن يجتمعوا على الصلاة، حيث دخل المسجد فوجدهم أوزاعًا : يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرجل والرجلان والرهط..؛ فرأى عمر أن يجمعهم على إمام واحد، فأمر أبي بن كعب وتميم بن أوس الداري رضي الله عنهما أن يصليا بالناس. فكم- يا ترى- صليا بالناس؟
ورد في ذلك روايتان كلتاهما صحيحة، وهما من طريق السائب بن يزيد.
الرواية الأولى: أن عمر رضي الله عنه أمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة.
والرواية الثانية: أن تميم بن أوس الداري وأبي بن كعب -رضي الله عنهما - صليا بالناس إحدى وعشرين، وفي رواية ثلاث وعشرين ركعة.
أما رواية إحدى عشرة فهي في موطأ مالك ، وسندها صحيح.
وأما رواية إحدى وعشرين فهي في مصنف عبد الرزاق  وسندها صحيح أيضًا.
وأما رواية ثلاث وعشرين فهي في سنن البيهقي ، وسندها صحيح كذلك.
فما الموقف من ذلك؟
بعض أهل العلم حكموا على رواية إحدى وعشرين وثلاث وعشرين بالشذوذ.
ولكن لا داعي للحكم بالشذوذ ما دام الجمع ممكنًا، فنجمع بينها بما جمع به الحافظ ابن حجر - رحمه الله- حيث قال: "إنه يحمل على التنوع والتعدد بحسب الأحوال وحاجة الناس، فأحيانًا كانوا يصلون إحدى عشرة، وأحيانًا إحدى وعشرين، وأحيانًا ثلاثا وعشرين، بحسب نشاط الناس وقوتهم. فإن صلوا إحدى عشرة أطالوا حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام ".
وإن صلوا ثلاثًا وعشرين خففوها، بحيث لا يشق ذلك على الناس. وهذا جمع حسن.
وسواء صلَّى الناس إحدى عشرة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين؛ فإن الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنه لا تجوز الزيادة في التراويح على إحدى عشرة ركعة؛ قول ضعيف جدًا، لا ينبغي الالتفات إليه، لسببين:
الأول: لأن الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن صلاة الليل؛ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "مثنى مثنى.."وهذا الأعرابي ما كان يعرف صفة صلاة الليل، فضلاً عن أن يعرف عددها، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك: مثنى مثنى أي: تسلم من كل ركعتين، ولم يحدد له في ذلك عددًا محدودًا؛ بل أطلق الأمر.
الثاني: أن النوافل المطلقة جائزة على الإطلاق ليلاً ونهارًا، إلا في أوقات النهي، فلو صلى الإنسان قبل الظهر، أو بعد الظهر، أو بعد المغرب، أو بعد العشاء، أو في الضحى ما تيسر له: ركعتين، أو أربعًا، أو عشرًا، أو عشرين؛ فلا بأس، فهذه نوافل مطلقة، وجماهير الأمة - بما فيهم الأئمة الأربعة- على أنها لا تُحدَّ بعدد لا تجوز الزيادة عليه، وإن كان منهم من يقول: إن هناك عددًا أفضل من عدد آخر.
— التنبيه الثاني:
أن الصلاة عمومًا - بما في ذلك النافلة- إنما شرعت؛ لتهذيب النفوس، وتصفية القلوب وتطهيرها من الحقد والحسد والبغضاء، وجعلها متآخية متحابة متقاربة، وهذا من أعظم مقاصد العبادات، وهذا أمر ملحوظ؛ فإن العبد إذا أقبل على صلاته رقَّ قلبه، وسمت نفسه، فكيف يجوز أو يسوغ شرعًا أو عقلاً أن يكون هذا الأمر الذي شرع لهذه المقاصد السامية مجالاً للخصام والتنافر والتباغض بين بعض طلبة العلم، حينما يسوِّدون الصفحات الكثيرة خصامًا في صلاة التراويح، وهجومًا على بعض، وردًّا على بعض، وتشهيرًا ببعض؟! كما قد يقع ذلك - أيضًا- من العامة في المساجد إذا دخل رمضان، فهم بين قائل للإمام: صلَّ إحدى عشرة، وقائل: صلَّ عشرين، وقائل: خفف الصلاة، وقائل: أسرع فيها، وقائل: أبطئ.. وهكذا يختلفون على الإمام، وتتحول العبادة التي شرعها الله تعالى لتهذيب الأمة أفرادًا ومجتمعات، ولجمع الكلمة؛ تتحول في هذا الزمان إلى ميدان لأضداد مقاصدها، فنسأل الله أن يرد الأمة إلى الفقه في دينه، والاجتماع عليه.
إن جمع الكلمة، وسلامة القلب، وطهارة النفس، من مقاصد الشرع المُجمع عليها عند جميع المسلمين، أما عدد الركعات فمن المختلف فيه، فكيف نقدِّم العناية بالمختلف فيه على العناية بالمجمع عليه؟
— التنبيه الثالث:
أن من المهم التوسعة في هذه الأمور على الناس، فإننا نعلم من هدي الإسلام أنه دين يسر وسماحة
وكان صلى الله عليه وسلم يحب التوسعة على أمته، وهذا المسلك نجد علماء أهل السنة يسلكونه عبر العصور، وهكذا يجب علينا في هذا العصر أن نبتعد عن المشقة على الناس في صلاة التراويح وفي غيرها، ومن الابتعاد عن المشقة أن يراعي الإمام حال المأمومين، 
فينبغي مراعاة حال الناس في شأن صلاة التراويح كما تبيَّن، وإن كان الأصل أن يكون العامة تبعًا لعلمائهم وأئمتهم، وطلاب العلم منهم، وليس الأصل أن يفرض العامة على الإمام عدد صلاة التراويح، وإنما يراعى حالهـم؛ إزالة للمشـقة، ودفعًا للخلاف بين المصلين.


اللهم اجعلنا من المقبولين

للاستزادة راجع مسائل في عددركعات التراويح للإمام ابن باز رحمه الله

دروس رمضان ليلة ١١ الجزء الأول

مع القيام
 
 كما أن رمضان شهر الصيام، فهو كذلك شهر القيام، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( يا أيُّها المُزَّمِلُ قُمْ الَّيْلَ إلاّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً وَرَتّلِ القُرْءَان تَرْتِيلاً إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً )[المزمل: 1-5 ].
ويقول سبحانه في صفة عباده المحسنين: ( كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّيْلِ مَا يَهُجَعُونَ وبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )[الذاريات: 17، 18].
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"
وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفَلَ الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما اسْتَبَنْتُ وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: "يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" إذن، ففضل قيام الليل – عمومًا- فضل عظيم، بدلالة تلك النصوص.
وفي قيام رمضان خاصة يقول النبي صلى الله عليه وسلم ،كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه"
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه في رمضان، كما في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا؛ فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهّد، ثم قال: " أما بعد، فإنه لم يخفَ عليَّ مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها"

للدرس بقية مع تنبهات لصلاة القيام

الله اجعلنا من المقبولين

الخميس، 18 يوليو 2013

دروس رمضان ليلة١٠

(شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ)
 
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ل حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه"

وقد أمر الله  بتلاوة كتابه، وبين أن هذا هو دأب الصالحين الصادقين، فقال سبحانه: (إِنَّ الذَّيِنَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرََّا وَعَلانِيَة ًيَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ، لِيُوَفيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) [ فاطر: 29، 30].
فقراءة القرآن هي التجارة الرابحة التي لا تبور، وذلك في جميع الدهور، وعلى مدى الأيام والشهور، لكنَّ لها في رمضان شأنًا أعظم وآكد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزيد عنايته بالقرآن في رمضان، وذلك لأسباب:

— السبب الأول: أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، فإن الليلة التي نزل فيها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ الَّذي خَلَقْ ، خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُكَ الأَكْرَمُ ، الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ )[العلق: 1- 4] 

— السبب الثاني: أن رمضان هو الذي أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. كما جاء ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما-، وكما أطبق السلف على أن القرآن فُصِل من اللوح المحفوظ، وأُنزِل إلى بيت العزة في سماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم كان ينـزل على الرسول صلى الله عليه وسلم نجومًا بحسب الوقائع والأحوال، كما هو معروف في أسباب النـزول.

— السبب الثالث : أن جبريل كان يأتيه صلى الله عليه وسلم في رمضان فيدارسه القرآن كل ليلة، كما في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة"
وفي العام الذي توفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عارضه جبريلُ القرآنَ مرتين 
إذن، فقد كان رمضان بالذات مخصصًا لتدارس القرآن بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم في كل سنة، بحيث يتم في كل رمضان مراجعة ما أُنزل من القرآن فيقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل يستمع إليه، ومن خلال المعارضة يتم إثبات ما أمر الله تعالى بإثباته، ونسخ ما أمر بنسخه ( يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ ) [الرعد: 39]. كما أنه قد يتم – أيضًا- شرح معاني القرآن، وتدارسها بين جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم .

— وقد أخذ أهل العلم من ذلك : مشروعية ختم القران في رمضان؛ لأن جبريل والنبي عليهما صلوات الله وسلامه، كانا يُنْهِيَان في كل رمضان ما سبق نزوله من القرآن، وفي آخر سنة أنهياه مرتين بالمدارسة والمعارضة -كما تقدم-، فهذا دليل على أنه يستحب للمسلم أن يقرأ القرآن الكريم كاملاً في رمضان مرة أو أكثر؛ بل إن السُّنة أن يختم القرآن في كل شهر مرة، وإن استطاع ففي كل أسبوع مرة بل إن استطاع ففي كل ثلاث ليال مرة، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم  ولذلك كان السلف يخصصون جزءًا كبيرًا من وقتهم في رمضان لقراءة القرآن، حتى قال الزهري - رحمه الله-: إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام.
وكان الإمام مالك - رحمه الله- إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، وأقبل على قراءة القرآن الكريم من المصحف.
إذن، ففي رمضان أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وفيه ابتدأ إنزال القرآن على المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وفيه كان جبريل يدارسه القرآن ويعارضه إياه؛ ولهذه الأسباب مجتمعة لابد أن تكون عناية المسلم بالقرآن مضاعفة في هذا الشهر الكريم، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالحين من بعده.


اللهم اجعلنا من المقبولين

الأربعاء، 17 يوليو 2013

دروس رمضان ليلة٩



مع بعض الأحاديث الضعيفة
 
هناك عدة أحاديث يتداولها الناس في رمضان، وهي ضعيفة لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها:
— حديث: "نوم الصائم عبادة"وقد رواه ابن منده عن ابن عمر، ورواه البيهقي عن عبد الله بين أبي أوفى، وهو ضعيف، ضعفه الحافظ العراقي في تعليقه على كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي.
— حديث: "من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر لم يجزه صيام الدهر كله ولو صامه".
هذا حديث مشهور على الألسنة، وقد ذكره البخاري تعليقًا، ورواه الأربعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أبي المطوّس عن أبيه عن أبي هريرة، وهو حديث ضعيف، فيه ثلاث علل: فأبو المطوّس هذا مجهول، وفيه احتمال الانقطاع بينه وبين أبي هريرة، وفيه كذلك اضطراب.
— حديث: "صوموا تصحوا" رواه ابن عدي، والطبراني في معجمه الأوسط، وهو حديث ضعيف، بل لعله ضعيف جدًا.
— حديث سلمان الفارسي الطويل المشهور، الذي كثيرًا ما قرأه أئمة المساجد على المصلين في مطلع رمضان من بعض كتـب الوعظ
والفضائل، وهو ما روي عن سلمان – رضي الله عنه – قال (خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في آخر يوم من شعبان فقال :" أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم ، شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة من الخير ، كان كمن أدّى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة ، كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن ، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء " . قالوا . ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم . فقال : يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن ، وهو شهر أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار واستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما ، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه ، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة ، وتعوذون به من النار ، ومن أشبع فيه صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ) وهو حديث ضعيف، في سنده علي بن زيد بن جدعان: وهو ضعيف، بل قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، وكذلك نقل غيره تضعيفه عن أئمة آخرين.


اللهم اجعلنا من المقبولين

الثلاثاء، 16 يوليو 2013

دروس رمضان ليلة٨


أخطاء الصائمين
 
أولاً: أن بعض الناس يقبلون على العبادة في رمضان، ويدعونها في غيره، فترى المساجد تمتلئ في رمضان فقط، بل إن من المحزن أن تراها تمتلئ في وقت المغرب بالذات بشكل أكبر، ويكون ذلك في اليوم الأول أبرز منه في اليوم الثاني، ولا يزال الناس يتناقصون، حتى يكون آخر شهر رمضان مثل غيره من الشهور تقريبًا. وهذا أمر خطير، وظاهرة مرضية، كأن هذا الصنف لا يعرفون الله إلا في رمضان- والعياذ بالله-.

ثانيًا: أن بعض الناس يصومون عن: الأكل، والشرب، والجماع، وغيره من المفطرات، ولا يصومون عن أشياء محرمة: كالغيبة، والنميمة، وقول الزور، وشهادة الزور، والكذب، والسب، والشتم، والغش، والاعتداء… وغير ذلك من المخالفات القولية أو الفعلية. وهذا لا شك أنه انتكاس في مفهوم الصيام؛ لأن الصوم تربية للصائم، فليس من المعقول أن يربيك الله على الإمساك عن بعض المباح، ثم لا تمسك عن المحرمات. ولقد قال صلى الله عليه وسلم :" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه

ثالثًا: أن بعض المتحدثين عن فضائل الصيام، يركزون في حديثهم على الفوائد الدنيوية للصوم؛ كالفوائد الصحية - مثلاً-، وينسون أو يقصرون في تنبيه الناس إلى الجانب الأخروي في الصيام، وأنه عبادة لله تعالى 

رابعًا: سوء الخلق: فبعض الصائمين يبدو سيئ الخلق؛ بسبب امتناعه عن الأكل والشرب، فتراه قاسيًا فظًا غليظًا على أهله، وعلى الناس الذين يعاملهم ويحتك بهم، وفي الحديث المتفق عليه: "الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم"

خامسًا:أن بعض الصائمين يتخذ رمضان فرصة للكسل والخمول، في حين أن المسلمين الأوائل كانوا على عكس ذلك، فكثير من المعارك الإسلامية الشهيرة كانت في رمضان.
وبعض الذين يجعلون رمضان فرصة للإكثار من النوم ويحتجون بأحاديث ضعيفة، مثل حديث: "نوم الصائم عبادة"، وعلى فرض صحته فإنه لا يدل على مرادهم، فإن الذي ينبغي للصائم هو أن يغتنم رمضان للاستزادة من العمل الصالح بهمة ونشاط.

سادسًا: التوسع في المآكل والمشارب، فإن كثيرًا من الناس يستعدون لاستقبال شهر رمضان بألوان المطعومات والمشروبات، مما قد لا يعرفونه في غير رمضان، وهذا - بلا ريب- ينافي الحكمة من مشروعية الصيام . فقد جعله الله للقلب والروح فجعلوه للبطن والمعدة ، 

اللهم اجعلنا من المقبولين

الاثنين، 15 يوليو 2013

دروس رمضان ليلة٧

رُخَصُ الصوم
 
ثمة رخص عديدة امتن الله بها على الصائمين؛ رفعًا للحرج والمشقة عن العباد، منها:
 
أولاً: من أكل أو شرب ناسيًا، وهو صائم؛ فصومه صحيح، ولا قضاء عليه، وهذا هو الراجح عند جمهور العلماء، خلافًا لمالك -رحمه الله-، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه "
لكن يجب عليه إذا تذكر وفي فمه شيء أن يلفظه، وكذلك يجب على الذي يراه وهو يأكل أن يذكِّره أنه في نهار رمضان؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى.

ثانيًا: أن من أصبح جنبًا من جماع أو احتلام في الليل؛ فإنه يصوم ولا شيء عليه، ويغتسل بعد ذلك، أي أنه يصح أن ينوي الصيام وهو جنب، خلافًا لما أفتى به أبو هريرة رضي الله عنه في أول الأمر، فإن هذا كان أول الأمر ثم نسخ.
 
ثالثًا: السواك بعد الزوال: فإنه مرخص فيه للصائم بعد الزوال، بل هو مستحب في المواضع التي يستحب فيها في سائر الأحوال،
 
رابعًا: المضمضة والاستنشاق، ينبغي ألا يبالغ فيهما؛ خشية أن يصل شيء من الماء إلى حلقه؛ فيفطر بذلك. ففي حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا
 وفي بعض الروايات: "وبالِغْ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا"
 
خامسًا: جواز الفطر في نهار رمضان للمسافر، وهو أفضل من الصوم إن كان الصوم يشق عليه، حتى لو كان سفره في الطائرة، أو في سيارة مريحة، أو نحو ذلك.

اللهم اجعلنا من المقبولين